يقدّم الكاتب أنس التكريتي قراءة إنسانية وسياسية عميقة لحالة التبلّد الأخلاقي تجاه ما يجري في فلسطين، موضحاً كيف يتحول العنف الممنهج إلى مشهد عادي في وعي أجزاء من المجتمع الدولي، بحيث يفقد كثيرون القدرة على التفاعل العاطفي مع صور الموت والدمار.

 

ويطرح الكاتب سؤالاً مركزياً حول كيفية وصول العالم إلى مرحلة يمكن فيها مشاهدة الانتهاكات الجسيمة دون شعور بالغضب أو الصدمة، مشيراً إلى أن هذا التحول لا يحدث فجأة بل يتشكل عبر تراكم طويل من الخطاب السياسي والإعلامي الذي يعيد تعريف الضحية ويجردها من إنسانيتها.


ويأتي هذا المقال المنشور عبر موقع ميدل إيست آي ليؤكد أن ما يحدث في فلسطين لا يمكن فصله عن منظومة أوسع من “نزع الإنسانية” التي تجعل الانتهاكات مقبولة أو قابلة للتبرير داخل الوعي الجمعي.


نزع الإنسانية وصناعة الصمت العالمي


يربط الكاتب بين مشاهد العنف في فلسطين وحالات تاريخية أخرى يظهر فيها كيف يمكن للإنسان أن يفقد قدرته على التعاطف عندما يتم تجريد الضحايا من صفتهم الإنسانية. ويستشهد بحوادث موثقة تُظهر كيف يتحول القتل أو التعذيب إلى “مهمة” أو “واجب” في وعي مرتكبيه أو حتى أقاربهم، فيصبح الفعل الإجرامي خارج نطاق الإدراك الأخلاقي.


ويشير إلى أن هذا النمط لا يعكس خللاً فردياً، بل نتيجة تدريب اجتماعي وسياسي طويل يجعل فئات كاملة تُرى باعتبارها أقل قيمة أو خارج نطاق الإنسانية، وهو ما يؤدي إلى تعطيل الاستجابة العاطفية الطبيعية تجاه الألم والمعاناة.


تشريعات ومؤسسات تعمّق الفجوة الأخلاقية


ينتقل المقال إلى تحليل البنية القانونية والسياسية التي تعزز هذا التوجه، متوقفاً عند سياسات إسرائيلية حديثة تتعلق بالعقوبات القصوى في حق الفلسطينيين، وما يرافقها من نظام قضائي غير متكافئ بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويبرز الكاتب أن هذه المنظومة لا تعمل فقط كإطار قانوني، بل كأداة لإعادة إنتاج تصور هرمي لقيمة الإنسان.


ويشير أيضاً إلى تقارير حقوقية تتحدث عن انتهاكات داخل السجون، بما في ذلك سوء المعاملة والتعذيب، موضحاً أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في وقوعها، بل في التطبيع المجتمعي معها أو التعامل معها كأمر عادي لا يستدعي الإدانة، وهو ما يعكس تآكل الحس الأخلاقي الجمعي.


من التعاطف الانتقائي إلى انهيار الحس الإنساني


يؤكد الكاتب أن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط العنف نفسه، بل انتقائية التعاطف، حيث تُستحضر المشاعر الإنسانية بقوة في سياقات معينة، بينما تُحجب تماماً عن ضحايا آخرين. ويشرح أن هذا النمط من “التعاطف الانتقائي” يؤدي في النهاية إلى إلغاء جوهر التعاطف نفسه، لأنه يصبح مرتبطاً بالهوية والانتماء لا بالإنسانية المشتركة.


ويخلص المقال إلى أن استمرار هذا المسار يعني ترسيخ واقع يمكن فيه مشاهدة الانتهاكات دون رد فعل أخلاقي حقيقي، محذراً من أن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس فقط العنف، بل فقدان القدرة على الاعتراف به كعنف أصلاً.


وبهذا الطرح، يعيد الكاتب فتح سؤال أخلاقي جوهري حول مسؤولية العالم في مواجهة هذا التبلّد، ومدى القدرة على استعادة المعنى الإنساني في مواجهة مشاهد أصبحت مهددة بأن تتحول إلى “طبيعية” رغم قسوتها القصوى.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/how-can-you-look-horrors-palestine-and-feel-nothing